بين “استحقاق” التغيير و”إكراهات” المرحلة

 

 

  • هل استنفذ نظام الصوت الواحد اغراضه؟

ثمة شبه اتفاق جماعي في الحالة الشعبية وأوساط الطبقة السياسية في البلاد على أن أزمة متعددة الأوجه والتحديات تعيشها البلاد حاليا.

صحيح أن هذه الازمة لم تبدأ مع نظام الاربع اصوات ولم تنتهي بعدما اقر الصوت الواحد، لكن ما هو حاصل الان أن هذه الازمة تعمقت وتجذرت بل وتعددت اشكالها بعد إقرار الصوت الواحد.

في إطار اللعبة السياسية يمكن ادراج طرح نظام الصوت الواحد ضمن قرار استراتيجي بضرورة هدم البني السياسية الصلبة التي كانت قائمة قبل 2012، والتي تضخمت قواها الاجتماعية والسياسية ووصلت الى ذروتها عندما نجحت بتشكيل كتلة غالبية مكونة من 36 نائبا في مجلس فبراير 2012 الذي كانت نتائجه تعبيرا فعلياعن تراجع قوة الحكومة في مقابل صعود البرلمان.

 كان ذلك الدافع من أهم محركات نظام الصوت الواحد، وبالفعل نجح ” الصوت الواحد”.  وعلى مراحل في تفتيت واضعاف السلطة التشريعية وإجهاض فرص تشكيل كتل برلمانية صلبة وهو ما مكن الحكومة من التحكم والسيطرة على مجرى الاحداث.

التسأؤول المطروح بعد كل هذه السنوات هو ما إذا كان نظام الصوت الواحد في حقيقته اداة تفكيك لوضع سياسي قائم وقتها فهل يمكنه في نفس الوقت أن يكون اداة بناء لوضع سياسي جديد على أنقاض الوضع السابق.

الجواب نظريا هو لا بالتأكيد فأداة التفكيك لا يمكن أن تكون نفسها أداة بناء، وهذا من طبيعة الاشياء، أما عمليا وعلى أرض الواقع فان جملة من المؤشرات تقول أن” الصوت الواحد ” بلغت تأثيراته إلى مناطق خطرة وحساسة تهدد الانتماء الوطني وسلامة البلاد.

طبقة سائلة

من أهم الملامح التي يمكن ملاحظتها بعد 7 سنوات على تطبيق نظام الصوت الوحد هي أنه أنتج بالضرورة طبقة سياسية سائلة وهشة يجعل من السهولة اختراقها ويمكن توجيهها من قبل مجموعات مصالح خارج المجلس.

فتراجع عتبة النجاح الى مستويات متدنية من (ما بين 1750 الى 3000 صوت مقابل ما بين 4500 صوت الى 13 الف صوت في نظام الاربع أصوات أدى إلى تحجيم مكانة النائب الانتخابية وقصر اعتماده بالنجاح على كتل صغيرة العدد فقط، وحوله عمليا من مرشح لعموم الدائرة إلى مرشح جزء من قبيلة او قطعة من جماعة وهو ما استدعى كل انواع التصنيفات الصغيرة والصغرى إلى ما هو أصغر من القبيلة واقل من الطائفة والجماعة والمنطقة واصبحت عمليا معيار النجاح والوصول الى البرلمان.

هذا الاستدعاء والحضور الطاغي والمؤثر للتصنيفات الاجتماعية القبلية، الطائفية والمناطقية أثر مع مرور الوقت على علاقة النائب بالحكومة وحوله بالتدريج من شخصية سياسية تراقب وتشرع الى ” مخلص معاملات ” لكتلته الانتخابية المحدودة، الحكومة التي استمتعت بهذا التحول في شخصية النائب كونه أدى الى منح الحكومة ورقة تسهيل المعاملات ومنح الخدمات كوسيلة للسيطرة والتحكم في المشهد البرلماني ومن ثم السياسي.

ومع تعمق هذه الثقافة وإدمان المتعاملين بها من الوزراء والنواب عليها تحولت هذه العلاقة الى قانون قائم يحكم العلاقة بين الحكومة ومجموعات النواب وثقافة سائدة تسيطر على الفعل السياسي بأكمله. 

تشابك الولاءات

ومع مرور الوقت لم تعد أي جهة أو إدارة حكومية محصنة من “قانون المعاملات” الذي امتد وطال مواطن حساسة ومواقع متقدمة في الدولة، ونتيجة لهذا القانون وضع موظفون وقيادات في الصف الاول في بعض الاحيان تدين لهذا العضو أو ذاك بمعروف الوصول الى هذا المنصب والبقاء فيه، ولعل لافتات الشكر والعرفان التي تمتلئ بها شوارع الكويت تسيء لمفهوم الولاء الوطني نفسه الذي أصبحت قواعده تقوم على علاقة بشخصيات نافذة وتكشف عن صنف من القياديين أكثر خطورة وأبشع تأثيرا من المحاصصة خصوصا من ناحية “ولاء” اصحاب مواقع الصف الأول والمراكز الحساسة ليست على أساس الانحياز الطبيعي لمعايير الكفاءة والولاء والانتماء، بل هي نتاج محاصصة

ليست هذه المرة على أساس الولاء للنظام والدولة أو حتى لأقطاب الاسرة كما حصل في بعض المراحل بل هي محاصصة بين مجموعات طارئة من الشخصيات النيابية النافذة التي لا جذور لها والتي يعتمد نجاحها على خدمة كتلة محدودة من الناخبين لضمان استمرار النجاح ومنتوج التشوه السياسي السائد منذ سنوات تسلل تدريجيا الى مواقع الادارة العليا في النظام الوظيفي في الدولة وهو نتاج طبقة سياسية هشة مكونة ومشكلة من مجموعات شللية صغيرة نافذة تستميت لحماية حضورها ودورها ومصالحها،

وهي لذلك يسهل السيطرة عليها ويمكن توجيها والتحكم لها ولديها استعداد من اجل ذلك   ليس فقط بالتعاون مع الداخل المحلي بل الى الغريب الخارجي من قبل بلدان تسعى وفق لحسابات التمدد والنفوذ للسيطرة والتأثير على المشهد السياسي والاعلامي الكويتي.

****

أن الانهيار الحاصل والمحسوس في وظيفة الإدارة الحكومية الناجم أصلا عن تشوه الحالة السياسية منذ سنوات يجعل معالجة ذلك الخلل أحد أهم” استحقاقات التغيير المطلوبة من أجل ” متطلبات المرحلة التي تحولت بسبب تأجيل العلاج إلى ” إكراهات ” ضاغطة على السلطة والطبقة السياسية معا.

إن علم السياسة وقوانينها تخضع لقوانين الحركة والتجدد والتغير، فلا شيء ثابت أو محتوم، وأن محطات التوقف للمراجعة الواعية والتقييم الموضوعي العقلاني ضرورة لتجديد حيوية الحياة السياسية، وسبع سنوات من التطبيق كافية لإستجلاء مواطن الخلل والضرر على المجتمع والدولة.


التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الأكثر مشاهدة