فساد الصغار ومافيا الكبار

د. صالح السعيدي 

عندما تولى الشيخ خالد الجراح وزارة الداخلية كشف عن قضية سرقة كبرى بتجاوزات وسرقات بعشرات الملايين من الدنانير من قبل قياديين ومسؤولين كبار في وزارة الداخلية وحولت القضية الى النيابة، ونفس الامر تكرر مع الشيخ ناصر صباح الاحمد عندما تولى وزارة الدفاع حيث كشف عن تجاوزات وسرقات بمئات الملايين من الدنانير أبطالها قياديون كبار في وزارة الدفاع وفي كلا الحالتين لم يكن لمجلس الامة ولا للأجهزة الرقابية في الدولة دور في كشف النهب المنظم والمتواصل رغم استمرار تلك الجريمة لسنوات في هاتين الوزارنين السياديتين، أكثر من ذاك فتحرير البلاغات بالقضيتين تم عبر الوزيرين المختصين ولولا ذلك لما عرف أحد عن تلك القضيتين رغم ضخامة السرقة وعظم النهب ولأمكن للصوص في الوزارتين الاستمرار بالتعدي على المال العام كما اعتادوا، والاخطر من ذلك ان المجرمين في جريمة السرقة استطاعوا التغطية التامة على كل جرائمهم رغم فداحتها ورغم ضخامة المبالغ المسروقة فلم تبث رائحة ولم يتسرب خبر رغم طول عمر الجريمة الممتدة لسنوات.

إن أي منظومة جماعية منظمة ومهيكلة تمتلك قيادة وتحتكم إلى مجموعة من النظم والعلاقات ويتدرج فيها المناصب رتبا تصاعدية، ولا توجد في مقابلها اجهزة رقابية فعالة وتخضع لقوانين كابحة للفساد، ستنزلق حتما إلى قعر الأهواء والمكتسبات الشخصية وهو بذرة الفساد ونواته الاولى لكن الأشد خطرا في فساد ” الداخلية والدفاع “هو أن القيادات في الوزارتين هي رأس منظومة الفساد مما مكنها من تشريع هذا النهب والسرقة من خلال اجتزاء أو اختراع قوانين دخيلة أو حتى الاحتيال على قوانين موجودة ولوائح قائمة لتطويعها واستخدامها من أجل ” تقنين الفساد.

وعندها تصبح القيادات هي رأس المنظومة الفاسدة فنحن هنا أمام تشكيل عصابي على طريقة ” المافيا” تقوم باستغلال نفوذها وموقعها الإداري المتقدم لإنشاء هياكل وشبكات لرعاية وحماية اللصوص من الملاحقة القانونية وتمكينهم من تجاوز كل اصناف الحواجز الرقابية القائمة.

وعندها تصبح القيادات رأس المنظومة الفاسدة فإن العفن سيتمدد حتما إلى صلب النظام الاداري وملحقاته وكل مستوياته المختلفة، فلا إدارة صالحة بوجود قيادي فاسد، وتنشأ عن هذا الخلل ثقافة علاقات تسود وتحكم يصبح فيها تحقيق المكاسب والتطلعات الفردية أهم من العمل ذاته وصولا إلى مرحلة الفساد المعمم على الجميع ومن الجميع، وبهذه الطريقة يستمر الفساد في توليد قوته الذاتية حتى يصير كل حديث عن احترام القانون وتطبيق اللوائح المعمول بها نوعا من المثالية القانونية والأخلاقية التي قد تثير السخرية في الغالب، فيتصدر الفاسدون غير المؤهلين لقيادة المنظومة بكافة مستوياتها.

مسؤولية المجتمع

ومن هنا تقع المسؤولية الكبرى على عاتق طليعة المجتمع ونخبته الفكرية والسياسية المدركة لأسباب الفساد وعوامله وطرق مناهضته وفي مقدمتها مجلس الامة وما يرتبط به من تنظيمات ومؤسسات السياسية والمجتمعية متعددة الأشكال والاتجاهات.

فمجلس الامة بما لديه من سلطة تشريع ورقابة يستطيع بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني تكوين هياكل قوية ومنظمة اكون لها القدرة ليس فقط لمكافحة هذا الفساد ومنعه التغلغل في مؤسسات الدولة وإعاقتها بل للردع المسبق للصوص وحماية المال العام.

وبالتالي يكون لدى المجتمع منظومة مستقلة لها هدف أساسي هو مناهضة الفساد في المنظومة المجتمعية الأكبر وخلق مناخ اجتماعي وسياسي قائم على العدالة والقانون.

إلا أن ما تكشفه قضايا فساد ” الداخلية و” الدفاع ” تظهر حدوث اختراق من نوع جديد داخل مؤسسة مجلس الامة وهي الجهة المنوط بها قيادة التصدي للفساد يتمثل في تكاثر اعضاء المجلس المنخرطين في شبكات الفساد التي يديرها قياديون كبار في الحكومة ونتج عن هذه المنظومة حرف مسار المجلس عن دوره الحقيقي المتمثل في مكافحة الفساد وانزلاقه أعضاءه باتجاهات التفرد والمصالح الذاتية ويتحولوا مع مرور الوقت الى شركاء فعليين مع القيادات الفاسدة عير نظلم ” تبادل المنافع والغنائم”.

وكنتيجة لذلك التشوه الحاصل في دور المجلس فإن كل مؤسسات المجتمع المدني الرديفة للبرلمان سيطالها الضعف والعجز، وتصبح كيانات شكلية مترهلة منخورة بالفساد الداخلي عاجزة وقاصرة عن مناهضة الفساد الخارجي وتتحول الى جزؤ من مشهد الفساد الواسع.

من هنا لا بد من قوانين مؤسسية صارمة لها أن تكبح جماح المسؤولين وتحدد صلاحياتهم ضمن قوانين واضحة فعالة وليست شكلية.

والأكثر أهمية هنا هو وعي الفرد وإدراكه أن دوره أساسي ومحوري في مكافحة الفساد لأنه هو من يختار ممثليه بمجلس الامة، وهو الذي يراقب أدائهم ويحاسبهم.

وعندما يتكون ويتشكل وعي مجتمعي عام في مفهوم الديمقراطية والحقوق الفردية يدرك حينها المجتمع دور وقدرة الفرد على الوقوف في مواجهة الفساد العام بدلا من التذمر والشكوى.


التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

الأكثر مشاهدة